حسن الأمين
40
مستدركات أعيان الشيعة
الصابي متولي ديوان الرسائل ، وأبو بكر الخوارزمي الذي عاركه بديع الزمان ، وأبو حيان التوحيدي أحد مفاخر العربية ، وغيرهم . ومع هذا كله فالحري بالذكر أن الهمذاني ، مع تقيده إلى حد كبير بالسجع ، ابتعد به عن جادة التكلف والتصنع المعيبين للأدب . ( 1 ) فان قراءة هادئة للمقامة المضيرية ، التي هي محور بحثنا ، تظهر أن بديع الزمان نزر التكلف ، والتكلف يقوم على استعمال حوشي الكلام الذي يندر استعماله ويشكل فهمه ، ويغلظ في الأسماع جرسه ، ثم إن السجع المتكلف هو الذي يقود صاحبه إلى ترديد المعاني طمعا في نيل السجع ، ويتم ذلك على حساب المعنى . وهذا « هو العي الأكبر » ، على حد تعبير لابن المقفع . وجلنا النظر في مقامتنا المضيرية فتبدى لنا ، بعد تشدد ، أن البديع انساق إلى شيء مما تقدم ، كقوله في الدار : « ثم درجته بالمعاملات إلى بيعها حتى حصلت لي بجد صاعد ، وبخت مساعد » ، فالجد الصاعد والبخت المساعد يؤديان المعنى نفسه تقريبا ، وإنما هو السجع ألجاه إلى هذا الترديد ، وكذا قوله في الحطب : « وكيف صفف حتى جفف ، وحبس حتى يبس » . وقد تخدش كلمة « السطة » ، بمعنى الوسط ، آذان بعضنا حيث يقول : « وداري في السطة من قلادتها ، والنقطة من دائرتها » . ونتساءل أخيرا : لم استعمل الهمذاني تعبير « آل همذان » وهو في البصرة - حسب ما ورد في بداية المقامة - وما المراد به ؟ أتراه قصد به اسم العائلة التي كان يحضر دعوتها برفقة عيسى بن هشام ؟ مع العلم أن الأمر لا علاقة له بالسجع ، بل إن الكلام الذي سنورده يدل على أن بديع الزمان يتحرر من ربقة السجع حينا بعد حين من قوله : « فنذرت أن لا آكل مضيرة ما عشت . فهل أنا في ذا ، يا آل همذان ، ظالم ؟ » . وهذا الذي ذكرنا عن تكلف بديع الزمان في مقامته المضيرية لا يؤبه له ، بل إنه تشدد أملته الدراسة الحريصة ، إذ ما حظ حصاة أن تعكر من صفو بحيرة ؟ ! وبعد ، فقد سقنا هذا الكلام لنخلص إلى رأي يؤكد توفر عنصري المكان والزمان في بعض مقامات البديع ، ومتى توفر [ هذان ] هذان العنصران اكتسب الأدب صفة اجتماعية ، هذه الصفة التي نراها عند الجاحظ والتي قبسها الهمذاني بدوره عن أبي عثمان . فالمقامة المضيرية تحكي قصة هذا الرجل الذي ينتسب - على ما يظهر - إلى الطبقة الوسطى ، وقد أثرى مهتبلا الفرص ، تارة على حساب الأغنياء من الوزراء أصحاب الأموال الفاحشة التي صادروها من الناس والولاة ، ثم جاء الخليفة ، في ساعة قوة ، فوضع يده عليها وباع منها الأثاث لحاجته . ( 2 ) وهكذا يقول التاجر البغدادي لأبي الفتح : « اشتريت هذا الحصير في المناداة ، وقد أخرج من دور آل الفرات ، وقت المصادرات وزمن الغارات » . وفي طور آخر لم تكن المجاعة ، التي طرقت أبواب الناس أكثر من مرة في القرن الرابع الهجري ، وكان من شدتها أنها حملت بعض الناس على بيع عقاراتهم لقاء أرغفة من الخبز - كما يخبرنا ابن مسكويه في « تجارب الأمم » ( 3 ) ، وأنها لتجارب قاسية - نقول لم تكن المجاعة لتمردون أن يصيب تاجرنا فائدة ، فإذا به يشتري طستا من النحاس الأصفر « وقد عرف دور الملوك ودارها » ، ويتابع طارحا السؤال على أبي الفتح ومجيبا عليه دون انتظار : « تأمل حسنه وسلني : متى اشتريته ؟ اشتريته والله عام المجاعة ، وادخرته لهذه الساعة » . وما دمنا قد أتينا على ذكر الطست ، فمن المفيد أن نشير إلى أن التاجر البغدادي يتغنى هزجا بحوزته لهذا الطست وغيره من الأواني والحوائج كالإبريق والدست والخوان ، كما تذكر السكرجات ومفردها السكرجة بمعنى الصحفة والقصعة ، فهذه التعابير كلها فارسية الأصل ( 4 ) ، وقد دخلت البيئة العربية الإسلامية بمدلولاتها وأخذ بها الناس المرفهون ، مما يشير إلى الأثر الفارسي في تحضر العرب المادي . إن بديع الزمان ينتسب في مقاماته إلى زمن عاش فيه ومكان طرقه بذهنه وجاس فيه بجسمه واستشعره بحواسه ، في حين أن واضع مقامات كناصيف اليازجي كتب مقاماته في مشارق النهضة ، وهي لا تمت إلى هذه المشارق بخيط مرئي . والمسألة واضحة في رأينا ، فالهمذاني في مقاماته أديب فنان ، إلى حذقه اللغة وايغاله في شعابها ، بينما اليازجي في « مجمع البحرين » لغوي متفقه ، عليم بغريب اللغة ، بصير بأيام العرب وأمثالهم ، متمرس بتاريخهم وآدابهم . إن ناصيف اليازجي في ما كتب من مقامات يعيش بروحه وعقله في غير زمنه ، أما بديع الزمان الهمذاني فقد عاش زمنه وصور بيئاته ، بحيث أن الباحث في العادات الإسلامية يعثر في مقامات الهمذاني - « . . التي يبدو أننا لم نشعر إلى حد كاف بقيمتها الوثائقية » ( 5 ) - على منهل ثر . أوليس اختيار الهمذاني للكدية والمكدين دليل على أنه يحمل هوية عصره ! ؟ . تطور القصة العربية : وهكذا لا يسعنا إلا الإقرار بان المقامة المضيرية قصة موفقة ، سواء درى بديع الزمان بما كان يصنع أم لا ، ثم هي تخالف الإطار التقليدي القائم على الكدية الذي صيغت بواسطته معظم المقامات . فهذا القالب الكلاسيكي للمقامة ، كما نرى ، لا يرقى إلى القصة في مفهومنا الحالي بصلة ذات شان ، وعند ما نقول القصة فنحن نقصد بذلك دائما المفهوم الذي استقرت عليه القصة بعد نضجها خلال العصر الحديث . وإذا ما قلنا إن القصة عرفت النضوج في الأدب الغربي خلال العصر الحديث ، وتبدت في نماذج ابداعية رائعة ، فهذا يعني أنها لم تكن على هذا النحو من النضوج قبلا ، وأنها تمشت في أوصال الأدب الغربي منتقلة من الشكل البدائي الخام ، ثم نمت وتطورت إلى أن غدت فنا له أصوله وقواعده . وهذا المتطور كان مكتوبا على القصة العربية أن
--> ( 1 ) يقول أبو منصور الثعالبي إن بديع الزمان أملى مقاماته « وضمنها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ، من لفظ أنيق قريب المأخذ بعيد المرام ، وسجع رشيق المطلع والمقطع كسجع الحمام » ، ( يتيمة الدهر ، ج 4 ص 257 ) ، ويرى زكي مبارك أن الهمذاني « أبرع من حمل القلم بين أهل عصره ، ولا نعرف كاتبا التزم السجع ، ووفق إلى الدقة والرشاقة والعذوبة كما وفق بديع الزمان » ، ( النثر الفني في القرن الرابع ، ج 2 ص 356 ) . ( 2 ) راجع كتابنا « ثورة الزنج وقائدها علي بن محمد » ص 67 . ( 3 ) نقلا عن : أهل الكدية أبطال المقامات في الأدب العربي لعبد النافع طليمات ، ص 60 . ( 4 ) القس طوبيا العنيسي : كتاب تفسير الألفاظ الدخيلة في اللغة العربية مع ذكر أصلها بحروفه ، ص 1 ، 25 ، 27 ، 36 و 46 . ( 5 ) . 5 . R . BlacherEeTP . Masnou : INtroduction , P